الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
410
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
يستحقون . كذلك يمكن أن يكون التعبير ب قليل من عبادي الشكور إشارة إلى تعظيم مقام هذه المجموعة النموذجية ، أو بمعنى حث المستمع ليكون من أفراد تلك الزمرة ويزيد جمع الشاكرين . آخر آية من هذه الآيات ، وهي آخر حديث عن النبي سليمان ( عليه السلام ) ، يخبرنا الله سبحانه وتعالى فيها بطريقة موت ذلك النبي العجيبة والداعية للاعتبار ، فيوضح تلك الحقيقة الساطعة ، وهي كيف أن نبيا بتلك العظمة وحاكما بكل تلك القدرة والأبهة ، لم يستطع حين أخذ الموت بتلابيبه من أن يستلقي على سرير مريح ، وانتزعت روحه من بدنه بتلك السهولة والسرعة . يقول تعالى : فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته ( 1 ) . يستفاد من تعبير الآية ومن الروايات المتعددة الواردة في تفسيرها ، أن سليمان كان واقفا متكئا على عصاه حين فاجأه الموت واستل روحه من بدنه ، وبقي جثمان سليمان مدة على حالته ، حتى أكلت الأرضة - التي عبر عنها القرآن ب " دابة الأرض " - عصاه ، فاختل توازنه وهوى على الأرض ، وبذا علم بموته . لذا تضيف الآية بعد ذلك فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين . جملة " تبينت " من مادة " بين " عادة بمعنى ( اتضح ) ( وهو فعل لازم ) . وأحيانا يأتي أيضا بمعنى " العلم والاطلاع " ( فعل متعد ) . وهنا يتناسب الحال مع المعنى الثاني . بمعنى أن الجن لم يعلموا بموت سليمان إلى ذلك الوقت ، ثم علموا وفهموا أنهم لو كانوا يعلمون الغيب لما بقوا حتى ذلك الحين في تعب وآلام الأعمال
--> 1 - " منسأته " : من مادة ( نسأ ) وهو التأخير في الوقت ، والمنسأة : عصا ينسأ بها الشئ ، أي يؤخر . قال بعض المفسرين : إن هذه اللفظة من كلمات أهل اليمن ، وبما أن سليمان ( عليه السلام ) حكم تلك المنطقة فقد استخدمها القرآن حين حديثه عن ذلك النبي . راجع مفردات الراغب وتفسير القرطبي وروح البيان .